Make your own free website on Tripod.com

Kamal Abdul Hameed

kamal.jpg

http://www.4kamal.com

http://knol.google.com/k/-/-/2a5exf755l7yz/10#

 

k4.jpg

كمال عبد الحميد يصنع عالماً

من الأسرار الصغيرة

 

بقلم: عهد فاضل

شاعر وناقد سوري

جريدة الحياة - لندن 2005

 

عادةً ما تعكس التجربة الشعرية، في اختيارها الذاتي، نوعاً من المعايرة الواحدة. وإذا تعددت المعايرات، ففي الغالب تتحدد في دمج نظامي الشكل الفني مع العالم الشعري. أما تنوع المعايرة في الشكل الواحد وفي العالم الشعري الواحد فهو أمر يصعب تكوين المدلولات أو يجعلها عرضة لتظهير الرمز مخلخلاً حين يشحن بأكثر من مستوى ومعيار. الشاعر المصري كمال عبد الحميد استخدم أكثر من طريقة للخروج من تهديد كهذا، في ديوانه " تمام الجحيم" الصادر أخيراً عن المكتب المصري للمطبوعات (القاهرة 2005). ففي قراءة الكتاب تتبدى أسلوبية يسرت للشاعر النجاة من دمج المعايير وتأثيرها الممكن في وضوح الرمز، واللافت أن النتيجة بدت في التخفف من أي إرباك قد يقع أو احتمال كلفة عالية في الصوغ. يظهر الشكل في " تمام الجحيم" مظهراً لغويا معبرا عنه في استبطان النبر للحكاية، عبر تدوير مدروس للأسطر نجح في إخفاء الزمنين المتناقضين، مبدئياً، وهما: زمن الانخطاف الشعري، وزمن السرد على خلفية اختطاف السارد للتكثيف وحميمة اليومي المستسر للتفصيل واللافظ البلاغي.

يرجع استبطان النبر للحكاية إلى أكثر من نظام معرفي حيث يقوم الشاعر مقام السارد، وتتضمن اللحظة الأبدية اللحظة الزمانية " الفانية": " تماما / كأن التي بكت رائحتها على فمي / لم تكن طريدتي بالليل والنهار/ كلما حدثتني بغزوة الجسد / المطل على مائي / أقول: غداً / الماء أصابع الروح لصعود بناية من دم ولحم". إذا أردنا أن نتذكر الجرح الذي فتحه وديع سعادة في الشعر العربي المعاصر، فهو يكمن في قراءة كهذه يتحد فيها المرئي باللامرئي عبر استبطان الشاعر للسارد وعبر إخفاء معالجات الثنائي الدائم: موت / حياة . في مكان آخر نجد أن كمال عبد الحميد يزيد من فاعليات الاستبطان السالف، وهنا من خلال تجميد حركة الزمن بنحو أشد:" هذا قاتلها / هذا أسود هامشها / هذا خرابها ليس بيدي / أظنها اقترحت حائطين / لتصل إلى آخر البار". لا بد من أ القارئ لحظ أن الحكاية المتسربة تحت ضغط عجز حامل السر عن كتمانه عبر عنها في شكل هو أقرب إلى الأشياء التي تتبقى بعد رحيل أصحابها بعيداً!

يستطيع الرمز استبطان الحكاية لأنه عادة يوحي ويشحن ويترك الأثر، ولا يقوم على مبدأ تلاؤم منطقي يوحد اللفظ بالدلالة توحيداً كاملاً، من أجل هذا لم يقع الشاعر في تهديد دمج المعايير المؤدي إلى خلخلة الرمز، لأنه ببساطة دفع النبر ليتعامل مع السرد كموضوع داخلي فيعود إلى مملكة الأنا ولا يصبح فارضاً لشرط الزمن والحوار والشخص: " أظنها ألقت معطفها / التي وصفت عابريها بالجراد / وهي تشغل خلاءها بالحقد / أخذت سيجارتي الأخيرة / بكت / لأن ليلة بالثلج لا تعيد غائبها". يلاحظ كيف أن قوة الغائب جاءت لتتوج فاعلية الاستبطان السالف، فعلى رغم أن المخاطب غائب وغير مباشر الحضور، نفاجأ بأن لهذا الغائب غائباً آخر! ويتمحور النبر في الدلالة أكثر مما يتمحور في الصوت، وكذلك تولد نكهة الأثر في هذا المبهم المتوالد بعضه من بعضه الآخر .

وإن كانت السمة الأساس، تقنياً، في كتاب الشاعر كمال عبد الحميد، هي استبطان النبر للحكاية، فإن إشارة أخرى طرحها الشاعر من خلال تقديم الكتاب كله من دون عناوين داخلية فاصلة، كما لو أن " تمام الجحيم" قصيدة واحدة كاملة. وهي كذلك بالفعل، إن من خلال تماثل الأشياء التي تتوارد تباعاً في النص, ومن شأن غياب العناوين الداخلية الإيحاء للقراءة بوحدة تامة بين المسرود والخاطف حتى لنظن أن الزمنين " العدوين" أبرما الصلح أخيراً:" كيف تجرؤين على النظر في عينيه / كأنما لم تنظري في عيني؟/ بإذنك تنسحب الرحمة من حولي / والنمل هداياك الأخيرة / كيف لم نمت وجهاً لوجه / كيف لم يقتلني غيرك بحقد أقل؟" . تدقيق بسيط في مفردة الرحمة التي وردت فجأة في النص تعطي الانطباع بالاستبطان والوحدة، هذا على رغم ضعف المبرر الفني لحضورها، فهي جاءت لتؤكد رفع الجزء للكل عبر نظام غير قابل للتطبيق دائماً .

العالم الشعري في " تمام الجحيم" هو مزيج من أسرار " صغيرة" عملت الأسلوبية على إنضاجها بعيداً من الإسهاب والميلودرامية. وهذا يعطي انطباعاً بالمختبر الذي يستسره نص الشاعر، وإلا فما الذي دفعه إلى عدم الاحتفال بأسراره كما لو إنها تتكون للمرة الأولى؟ الهمس ذاك في طرح السر الصغير يؤكد مختبرية نص كمال عبد الحميد، ما يذكر بالتجربة الشعرية الجديدة لشعراء لبنانيين جدد كجوزف عيساوي وناظم السيد وعلي مطر حيث تعاملوا مع الحكاية كأداة للشعري لا كأداة للوصفي السارد، وهذا نراه أيضاً في النثر المصري الجديد عند عماد فؤاد وإيمان مرسال ومثلهما في الشعر السوري الثمانيني كلقمان ديركي وعمر قدور، ما يعطي انطباعا بشيء من المعايرة المنتصرة كنموذج عام تتقاسمه مواهب مختلفة المشارب. في العودة إلى عالم عبد الحميد الشعري والأسرار الصغيرة نجد كيف أن ما يبدو ميلودرامياً في تجارب متعثرة – كبعض تجارب النثر المصري والسوري تحديداً نشير اليها في دراسة مستقلة – يبدو إشارياً موحياً غير واقع في عوز الإسهاب الذي لا براء منه:" غداً أراقبك في موتي وأضحك / كيف تستبدلين الورد بالورد /  العطر بالعطر / الأسماء بالأسماء / ما اسم صاحبك في بطاقة الإهداء؟". لقد تخلص الموت هنا من الاستخدام الدعائي الذي يستهلكه بعضهم إما من طريق رغبة الإسعاف أو من طريق الاتكاء الكامل على فاعلية الكلمة .

الشيء الذي يمكن ألا تجده القراءة، في هذا الكتاب، هو ما لا تراه أيضاً في غير كتب، حيث انفراد هذا الاقتراح كغيرة من اقتراحات بتقريب المسافة بين الاسم والمسمى، ذاك بسبب الاستبطان المستمر للسرد، ولهذا لا نجد استقلالاً كاملاً للمنطوق أو للسطر الواحد، ما يذكر مرة أخرى بضرورة عودة المختبر الشعري ليشكل المرجعية غير الممكن تجاوزها والتي تتمتع بمقدرة فاعلة على التقليل من الأثر الرجعي للتجريب والمعايرة ؟

k1.jpg

    الانفتاح على القلق في ديوان ( تمام الجحيم     (

 

جريدة الرياض السعودية 

   يوليو 2005 

  

  في ديوانه «تمام الجحيم»؛ الصادر مؤخراً في القاهرة عن « المكتب المصري للمطبوعات » ؛ يكتب الشاعر المصري المقيم بالإمارات كمال عبد الحميد روحه الملتاعة المعذبة؛ الممسوسة بأوجاع المدينة وخطايا المرأة وإفرازات الواقع ، وذلك وفقاً لخصوصية تمنعه من الوقوع أسيراً في شراك موجة التفاصيل اليومية بما صارت تحمله من كليشيهات وعبارات وأطروحات نمطية.               

إنه شاعر يكتب قصيدة النثر حقاً، ولكن وفقاً لإيقاعاته النفسية وتصوراته المعرفية  وخيالاته المحلّقة، حيث يلقي بكتلة النار في وجوه متلقّيه لتترك بداخلهم شجناً جميلاً، وقلقاً أجمل؛ حين تتكشف القصيدة عن روح تتصارع مع ذاتها..، مع خارجها..، مع انكسارات صاحبها وأوهامه وإحباطا ته. ويعترف الشاعر بأن أل «هي» أو «المرأة» هي قاتلته، إذ يقول: «أنا قتيلكِ، عظامي في القبر باردة، وأشياؤكِ تشقّ قمصانها. نحن الفانون..، نمر كعابري سبيل، ونُسحق بين الرمال!».

وفي نصه «تمام الجحيم»؛ وهو نص واحد يقع في مائة صفحة من القطع المتوسط؛ يبدو الشاعر مسكوناً إلى حد الموت بأسئلته الكبيرة المشحونة بالتوتر، أما لغة الشاعر، فقد جاءت مكثفة، دالة، بعيدة عن التقريرية واليقينية، منقاة من المجازات والتخييلات غير المألوفة، إضافة إلى ما فيها من مسحة رومانسية حزينة. وحينما تبدو العبارات لا منطقية أو قريبة من حد الهذيان؛ فإن ذلك لا يعني أن الشاعر قد نجا من «جحيمه»، فالشاعر؛ حتى في هذيانه؛ لا تنطفئ نيرانه المتقدة أبداً، بل تزداد توهجاً!

 

 

 

أسئلة الارتبـاك الـطـفولـي والإنسـانـي

 

بقلم : عيد عبد الحليم

موقع العرب أونلاين

  26-9-2005

 

 

"تمام الجحيم".. هو الكتاب الأول للشاعر كمال عبد الحميد، والذى صدر عن المكتب المصرى للمطبوعات، ويضم نصاً واحدا او كابوساً واحدا كما يراه صاحبه، وهو يمتد بتجلياته فى 99 صفحة ولا يكاد القارئ يدخل "تمام الجحيم" حتى تأخذه تلك التنهيدة الطويلة بدءا من صفحة الاهداء حتى صفحة اكتمال الحالة او بدايتها الثانية المفتوحة على قلق لا شفاء منه، وهذا النص الشعورى ورقة من اوراق قصيدة النثر، الشجرة التى كبرت واتسعت ظلالها بفعل التراكم والتجريب والوعي، ويبدو شاعر "تمام الجحيم" مسكونا الى حد الموت بأسئلته الكبيرة والمشحونة بالتوتر، وهى أسئلة لا يطرحها كمال عبد الحميد فى نصه باحثا عن تفسيرات او اجابات مريحة، بل هو طرح مصدره القلق، وغايته ليست اطمئنانا تاما او حتى ناقصا، بل غايته التوتر ذاته الذى خلق لديه السؤال، انه مغرم بقلقه ولا يريد نهاية له، مغرم بتوتره ولا يرضى براحته وحين تجيء الاسئلة لتغلق من الابواب امامه ما كان مواربا منها، يجد اسئلة اخرى اكثر قسوة وحيرة:
لماذا ابقى وحيداً طالما الله فوقنا؟!
فى "تمام الجحيم" تشعر بتلك الموسيقى العذبة التى تنزل الى قلبك، وتلك الشفافية التى تعكسها المفردات الخارجة لتوها من عذابات كاتبها، من ارتباكه الانسانى والطفولى امام عتمة لا خيار له فيها:
الليلة/أحتاج نبوءة أخيرة/لأطل على جحيم "رامبو"/لأقول لحراس جهنم:/الله اجمل مما قالت صديقتي/وأرحم من كتاب "عذاب القبر" .
المفردة الشفافة غارقة فى الاسي، سهلة كالبكاء على قبر، لكنها عصية الا على اولئك المفجوعين بالفقد، لذلك فان "تمام الجيم" يذكرنا بالبكائيات فى قرى جنوب مصر او ما يسمى "العدودة"، وقد ضمن الشاعر احداها فى قصيدة الطويلة، فهو ابن هذه البيئة المفتوحة على الفرح القليل، والحزن العميق، وحين يهذى فى جحيمه لا تنطفئ نيرانه المتقدة ابداً، بل تزداد توهجاً كأنما يشد الشاعر خيطاً من النار من صوت جدته العجوز وهى تنوح بـ "العدودة" الحزينة، فيبكى خلفها، وينشد وجه امه وابيه واخوته حين تجره نساء المدن الى حافة الجحيم.
كأنها شقت عن صدرها/ملأت راحتيها دما وثعالب/اعطت اصابعها لصاحب البار/لتعرف/كأنها مشت الى النار/اخذت حكمتها/وبكت .
هذا النص الواحد لا تستطيع حين تبدأ الدخول اليه ان تتوقف الا على الحافة ذاتها التى يتأرجح فوقها الشاعر مع آخر سطر فى جحيمه.
كمال عبد الحميد كتب روحه المعذبة بالمرأة أو المدينة من دون ان يقع فى موجة التفاصيل اليومية، ان كتلة النار التى يلقى بها الشاعر فى وجوهنا تترك داخلنا شجنا جميلاً، وقلقاً اجمل حين تنكشف القصيدة عن روح تتصارع مع ذاتها.. مع خارجها.. مع انكسارات صاحبها واوهامه احيانا.
انا قتيلك/عظامى فى القبر باردة/أشياؤك تشق قمصانها/وتكلم الله:/نحن الفانون/نمر كعابرى سبيل/ونسحق بين الرمال .
"تمام الجحيم" الذى صدر فى القاهرة عن المكتب المصرى للمطبوعات يقع فى 99 صفحة، وصمم غلافه الفنان حامد العوضي، وقد جاء النص دون تأريخ ربما عن قصد ليترك كمال عبد الحميد فى كتابه الاول بوابته مفتوحة على قلق دائم.. وتأويل آخر للزمن.. والمكان، اضافة الى اسئلته الكثيرة التى يزدحم بها النص عن الحب، الفقد، الحنين، الحياة والموت:
يمن اوهمك اننا سنطرق ابوابك بعنف/محملين بالهدايا لحراسك الخرافيين/هذه ميتتك وحدك/خذيها كاملة
شاعر "تمام الجحيم" يذكرنا بأولئك الرومانسيين المتعبين بالأنا والآخر، وبالمرأة وما تصنعه من فرح، وما تتركه من جروح:
تركت فيك ما لا يشفى بعدى
هكذا نتعاطى الحزن عبر لغة تشف وتشير وترمز وتدل، وليس ثمة تقريرية او استطراد ربما سرد مكثف تفرضه الحالة والحوارية بين الشاعر وذاته من ناحية، وبين الشاعر وامرأته المستحيلة المهلكة التى يتبعها هو جريحا يهذي:
كيف تجرؤين على النظر فى عينيه/كأنما لم تنظرى فى عيني؟/باذنك تنسحب الرحمة من حولي/والنمل هداياك الاخيرة

 

 

 

كمال عبدالحميد الذي لم ير شجراً طيبا

يدخل الخامسة والثلاثين كي يتذكرتمام الجحيم

 

جهاد هديب

جريدة الدستور الأردنية – 6 يونيو 2005

 

 

قلّ أن تكون هناك ( قصيدة نثر) عربية واحدة في كتاب، بل ان البعض يرون في قصيدة النثر ضرورة في الاختزال والتكثيف والالتقاط المباشر والمباغت للصورة الشعرية في الالماح والايماء.

الشاعر المصري كمال عبدالحميد في كتابه ( تمام الجحيم ) الصادر اخيراً عن دار النشر القاهرية (المكتب المصري للمطبوعات) نموذج مخالف لهذه الرؤية السائدة.

ففي تمام الجحيم ( حكاية ) يشير اليها الكتاب بوصفه بنية مصنوعة من البدء لتقوم بدور في هذه الحكاية:

 

( فاتحة الجحيم

تباركت أسماء اطفالنا في الغيب )

ومع التقدم في القراءة ومن الصفحات الاولى نجد اننا امام قصة حب لشاعر قد انتحر ويأتي الإخبار (بكسر الهمزة) من العالم الآخر إن لم نقل العالم السفلي حيث النص لجهة بنيته الشعرية قد تأثر بالاسطورة الاغريقية على هذا النحو او ذاك فضلا عن الأثر الواضح للانجيل سواء في لغة النص او في ما يذكر بطرائق التخييل فيه.

ويحدث ذلك كله في المجاز الشعري فالسارد في القصيدة في تمام جحيمه حي في الطابق الحادي عشر:

( اسمي كمال عبدالحميد

ولا لقب لي

لم أمت كما يموت الناس

لم أر شجرا طيبا يلوِّح

لم تكن صرخة في وداعي

انا المقتول في الطابق الحادي عشر

أبكي خارج جثتي

أهذي في النار السابعة:

الماء.. الثأر )

تقوم التجربة الشعرية على البوح او على خطاب موجه الى امرأة.. خطاب مشحون بالمرارة الى حد الغضب والوله اذ يمتزجان:

( من أوهمك اننا سنطرق

أبوابك بعنف

محملين بالهدايا لحراسك الخرافيين

هذه ميتتك وحدك

خذيها كاملة)

ويترك ذلك أثره في " التشكيل"  الشعري اذ يستعير المرء توصيفا من الرسم الزيتي ذلك ان المرء يشعر احيانا ان الشاعر يرسم المشهد كله بريشة واحدة:

( الليلة

أحتاج قائمة باسماء قتلة خرافيين

لأفتح لكِ طاقة على روحي

أحتاج سحابة واحدة تمرّ بيننا

لأدلكِ على حرائقي )

وتبدو الخامسة والثلاثون تلك السنة من العمر التي يذهب اليها الشاعر كما لو انه مرغم فهي ليست العلامة الفارقة لانتصاف العمر بل هي اشبه بمكان:

( خمسة وثلاثون عاما

أربي أكاذيبي في السر

هكذا أموت بين قارتين

أمسك بطرف السرير:

لا أحد

لا رائحة

لا بساتين أعرق ببطءٍ

في مائها )

غير ان الخامسة والثلاثين مكان لا يخلو من وحشة ولا يصلح سوى للتذكر:

( لاية ميتة تتعطر سراً؟

لأية غاية تذكر قاتليها بالاسم

تشير الى زمن لم يكن لها؟

لأية ليلة تقصُّ شعرها وتسأل:

من رآني.. يخبرني؟)

 

k1.jpg

 «تمام الجحيم» للشاعر المصري كمال عبد الحميد

                

  جريدة «الشرق الأوسط» - لندن 25 مايو 2005

عن «المكتب المصري للمطبوعات» بالقاهرة صدر الديوان الأول «تمام الجحيم» للشاعر المصري كمال عبد الحميد، ويضم الديوان نصا واحدا أو كابوسا واحدا كما يعرفه صاحبه في 99 صفحة.

ويبدو الديوان مسكونا إلى حد كبير بهواجس أسئلة كثيرة وتوتر مشبوب نحو الأنثى، وهي أسئلة لا يفرط الشاعر بحثا عن تفسيرات أو اجابات لها بقدر ما يأتي طرحها بسبب القلق الذي خلف السؤال.

 

كما تأتي مفردات الديوان غارقة في الأسى والحزن مستلهما في ذلك البكائيات الشهيرة في قرى جنوب مصر أو ما يسمى بالعدودة وقد ضمن الشاعر احداها في قصيدته الطويلة.

 

ومن اجواء الديوان ماذا أرى خلف (صباح الخير.. مع السلامة) أرى أبي يقسم في أول البكاء أنني لا اشبهه أنني خيبت ظنة ثلاث مرات حين أشرت عمدا إلى أسود عينيك أرى سماء تمطر عربات.. عرائس مصابيح أرى شوارع لي وحدي صورا في مقهى المقهى في قطار القطار في عربة العربة في كفي

 

 

cover.jpg

كمال عبد الحميد لا يد خل الليل وحيداً

 

 

مجلة نصف الدنيا – القاهرة أغسطس 2006

 

 

 

في كتابه الجديد " لا يدخل الليل إلا وحيداً" الصادر عن المكتب المصري للمطبوعات بالقاهرة ، يصنع كمال عبد الحميد عالماً موازياً لعالمه الشعري الذي عرفناه في ديوانه الأول " تمام الجحيم " الذي وقعه في معرض أبو ظبي للكتاب العام الماضي ، وبالرغم من أن " لا يدخل الليل إلا وحيداً " هو كتاب يضم بين دفتيه مقالات سبق نشرها في مجلة " المرأة اليوم " التي يعمل المؤلف مديراً لتحريرها، إلا أن المفردة الشعرية والتقاط التفاصيل الصغيرة والهوس بالوجوه القديمة والأماكن المسكونة بالذكريات ، كلها أشياء يكتسي بها النص النثري الذي يتأرجح ما بين فن المقال  والقصيدة النثرية والقصة القصيرة ، لذلك يشعر القارئ بأنه ينال في كتاب واحد ما يغنيه عن ثلاثة أو أربعة كتب .

وعلى سبيل المثال كيف نصف كتابة كهذه :

 (يا أباه···

هل تذكر طفولته يوم كنت تجهز جلبابك الأنيق وتلف الرباط الزهري على رأسك وتضع قليلاً من عطر كثيف ثم تمضي في صباحاتك إلى ( البندر)، زائراً أصدقاءك وجالساً في المقهى الأثير، هل تذكر بكاءه لحظة يرف جلبابك ويفوح عطرك وأنت تغلق الباب ماضياً وتاركاً في قلبه الصغير أمنية الذهاب معك مؤجلة إلى حين، فيبقى مطارداً بحلم ركوب السيارات القديمة التي تزمجر في البدء كقطار مسكون بالعفاريت؟ هل تذكر ساعة عودتك محملاً بالفاكهة التي يحب فيقطع الطريق الترابي إليك فرحاً كأنما لم يكن باكياً في الصباح؟ هل تذكر لياليَ كان يكسر فيها عادات النوم مبكراً حاضراً مجالس الكبار في مقهى القرية معلقة عيناه بالشاشة الصغيرة وبالدراما التي تشبه حكايات الجدات..)

 

وفي مقال آخر يستلهم كمال عبد الحميد عالم ( النفري) ومواقفه، وهو هنا يروي عن الثقل الذي يقيد روحه: (وقفتُ في موقف الطيران·· ولم أستطع، جهزتُ روحي وجسدي وقلتُ: أجرب أن أمضي بعيداً خلف الضوء واللون، وأتبع العطر حين يرج البدن، فما طارتْ الروح، وما ارتفع الجسد، قلتُ: ما الذي جرى؟ جناحاي ثقيلان، سقط الريش عنهما، لا يضربان الهواء كما كانا، ولا يصعدان بي إذا سرتْ في الدم فورة الوجد، أنا الطائر المسكون بالريح لا أستريح إذا تبدلتْ أحوالي وتسمّرتْ قدماي وسقط لساني..)

 

 هكذا يكشف الكاتب عن قلقه وأسئلته الحائرة ، يكشف عن لغة شاعرية وروح صوفية، وعن عالم خاص به أتاح له أن يعطي لنصوصه أجنحة تطير بها ما بين الشعر والقصة والمقال .

في كتابه " لا يدخل الليل إلا وحيداً" الذي أهداه إلى طفله: " ناصر ..الفرح الذي يسبق اسمي " ،يروي كمال عبد الحميد عن الشخصيات التي قالبها في رحلة عمله الصحفي ، ومن بين هؤلاء الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين الذي زاره الكاتب قبل وفاته وإن لم يستطع رؤيته : (  دخول شقة أحمد بهاء الدين يملأ مشاعرك بشحنة هائلة من الارتباك، وبالذات إذا كنت قد انتظرت هذه اللحظة طويلاً، لم نجلس في الصالون في مدخل الشقة، وإنما استقر بنا الحال في غرفة داخلية وسيعة أشبه بالبهو، في بدايتها صالون كلاسيكي، وفي نهايتها صالون عربي، بالإضافة إلى مكتبتين صغيرتين اشتراهما أحمد بهاء الدين من منطقة   " العطارين" منذ سنوات طويلة مضت، وفي المنتصف يستقر مكتب صغير أنيق، مكتب خشبي صامت، ولعله حزين، هذا هو مكتب أحمد بهاء الدين وبجواره ماكينة تصوير أوراق·

كان عليّ أن أجول ببصري طويلاً في جدران الشقة لأشاهد كل هذه اللوحات المدهشة لكبار الفنانين، كأنني في متحف يجمع بين تيارات، ومدارس فنية مختلفة، هذه لوحة لتحية حليم، ولوحة لحسن سليمان، وثالثة لآدم حنين، ورابعة لجاذبية سري، وخامسة لإنجي أفلاطون، وسادسة ·· وسابعة، وفي الشقة تشدك مشاهد التماثيل الصغيرة والأنتيكات، على المكتبة الأولى تمثال غاندي، على رف المكتبة الثانية تمثال دون كيشوت·· وفجأة أنهيت متابعة المكان بالسؤال

سألت مدام ديزي عن الكاتب الكبير·· عن صحته وأحواله؟

فأجابت في هدوء: بخير

طرحت عليها سؤالاً ثانياً بفضول غريب: أين هو الآن؟

تمسكت هي باختصارها البليغ: نائم في السرير!

وكأنها قرأت سؤالاً ثالثاً يرقص حائراً في صدري، فأضافت: لا يمكن مقابلته·

وخيم صمت له رائحة الغياب، والفقد وطعم الحنين، صمت لا يمكن وصفه قاس، لا قدرة لأحد على احتماله أو مقاومته، ترى ماذا يحدث الآن لو قمت مندفعاً وفتحت حجرته التي راقبت بابها منذ دخولي الشقة، وحتى انتهاء الزيارة؟ ماذا يحدث لي لو أنني غافلت كل من حولي، وتسللت كاللص على أطراف أصابعي، وفتحت الباب ورأيته في السرير؟ لن أوقظه·· سأملأ صدري من هواء غرفته، سألمس غطاءه وربما جبهته، سأقترب منه في حذر، وخوف، ورهبة مثل اقتراب تلميذ صغير من أستاذ جليل، سأهمس بصوت خفيض: ألف سلامة يا أستاذ بهاء!...)

ولا ينسي كمال عبد الحميد في نصوص مقالاته – إذا جاز التعبير – أن يكتب بروحه ولغته الشعرية عن عالمه القروي في جنوب مصر ، عن أولئك البسطاء الذين يتقاتلون مع الحياة، عن أبو الرجال الذي قهره المرض فمات في ضعف لم يكن أحد يتخيله ، أو عن بائع الليمون الأعمى الذي كان يقطع الشوارع كأنما يبصرها ، وعن خط الصعيد الخارج عن القانون بفعل حقد على ضابط شرطة عرضه للإهانة والذل ، وعن العجوز التي كانت تنوح صبح مساء : (استقرتْ في غرفة صغيرة ضيقة في بيت زوج ابنتها الكبرى، انطفأ نور عينيها من البكاء والحسرة، كل مساء تصدح بالمراثي وتضمر في عزلتها، من أين حفظت هذا ( العديد) الحزين؟ عدودة بعد أخرى، خيط طويل لا ينتهي من الحزن ،  تبدأ نحيبها على صغيرها الذي غاب، يأخذها الإيقاع الجنائزي "  للعدودة "  من حال على حال، من جرح قريب إلى فقد قاس ، تبكي أحوالها، فقدها الابن والزوج:

يا عمود بيتي والعمود هدوه

يا هل ترى في بيت مين نصبوه؟

يا عمود بيتي والعمود رخام

يا هل ترى في بيت مين اتقام؟ ....)

 

رحلة القارئ في كتاب " لا يدخل الليل إلا وحيدا " ، رحلة لا تخلو من المتعة والشغف بكل ما اصطادته العين الثالثة للكاتب ، تلك العين التي تلتقط ما لا يستطيعه الآخرون ، إنها عين القلب والروح والحساسية المفرطة تجاه التفاصيل ، لذا قد يبدو العنوان الذي يحمله الكتاب مراوغاً ، لأنك في نهايته سوف تعرف وتتيقن أن كمــال عبد الحمــيد ( لا يدخل الليل وحيداً ) وليس ( إلا وحيداً ) ، فكتابه يفضح روحه المسكونة بكل ما عاشه ورآه ، بكل ما أحبه وخسره ، وتلك التفاصيل الحية هي التي لن تجعله وحيداً في ليله الذي يزدحم بالذكريات .